الإيمان والتفكير

الاعتقاد بوجود كائنات عاقلة خفية معنا أينما كنا.. سواء الملائكة أو الشياطين أو الله هو شيء مزعج. كيف يستطيع الشخص أن يعيش وهو مؤمن بأنه مراقب في كل لحظة ؟

تخيل أنه الآن على كتفيك شخصان لا تراهم ! نعم انظر لليمين.. هنا تماما هناك شخص بجوار رأسك بالضبط. ماسك ورقة وقلم جالس يسجل.. ورفيقه الآخر على اليسار ! ليس هذا فقط بل يتدخل العالم الغيبي حتى في أفكارك.. فهناك شخص ما في السماء يراقب كل حركة وكل همسة وكل فكرة تخطر ببالك وهو معك في كل مكان.. مافي خصوصية أبدا.. هذا شيء يبعث على الوسوسة والجنون، خصوصا وهو مرتبط بلستة الحسنات والسيئات – المتعارضة في أحيان كثيرة مع رغبات النفس البشرية وطباعها – وتوابعها من الثواب والعقاب.

أعتقد أن هذا سبب رئيسي لعجز المؤمن الفكري لأنه لابد أن يكون مصاب بدرجة من درجات الوسواس والقلق المرضي، تكون درجتها على حسب درجة إيمانه (تناسب طردي)، بحيث لو تطرق أحد لموضوع يخص معتقده تجده يبدي ردة فعل لا عقلانية اتجاه الآخر قد تصل في بعض الحالات إلى الاعتداء والإيذاء، ويستحيل أن يؤثر عليه أي أحد بأي فكر وأي منطق، ولو ادعى البحث والتفكير سيدور في حلقات مفرغة، والسبب هو أن فكره محجور ومراقب عليه داخليا، فهو لا يستطيع أن يفكر بحرية بسبب هذا الوسواس والقلق.

مثال على نقاش بسيط حول مسألة بديهية وسهلة جدا لا تستدعي الكثير من الذكاء، لكن فكر المؤمن “عاجز” عن الوصول للحل لأن دماغه يقول له “قف هنا” ليس من حقك أن تفكر في هذا أو تشكك في إيمانك. هذا خطر.. هذا مخيف.

هذا ما قاله زميل في أحد المواضيع:

الملحد اللي يستخدم عقله في البحث عن حقيقة الكون ولم يصل الى معرفة خالق هذا الكون رغم كل المؤشرات والدلائل والآيات الكونية المادية المحسوسة التي تدل على خالقها يعتبر ملحد غبي بالتأكيد

وأنا حاولت أن أثير تفكيره بالسؤال:

أنت كمؤمن ألا تعتقد أن الله هو الذي خلق عقله وخلقه غبيا ؟ طالما أنه كذلك.. فلماذا تعايره بغبائه وهي خلقة الله ؟ وهل يرفع عنه القلم لأنه غبي ؟

وهنا اشتغل نظام الحجر على التفكير فوراً وكان ذلك باديا على جوابه، فقد بدأ في المغالطة المنطقية:

خالقك اعطاك حق الاختيار وخلق لك عقل بيدك ان تستخدمه وتفكر وتتوصل وبيدك ان تجعله غبي محنط

لك الحرية المطلقة

حاولت أن أوضح له مغالطته:

طيب ليش خليت نفسي غبي ؟

مو عشاني غبي وعبيط ؟؟

فدخل في الاستدلال الدائري:

لا ياغبي عشان ما استخدمته في التفكير

ياغبي عشانك كسول ماودك حتى تفكر مجرد تفكير وتستنتج … حابب التياسة ولا يمكن مبلبع يعني مؤجر اللي فوق

والاستدلال الدائري من أبزر وأوضح الأدلة على وجود خطأ في النظام الفكري بسبب الحجر على التفكير. فهو هنا يحاول أن يوضح لي أني غبي لأني لم أفكر، ولم أفكر لأني كسول، وأنا كسول لأني مبلبع ومؤجر وحابب التياسة، يعني لأني غبي.. فالاستدلال الدائري هو قيام المخ بلعب لعبة القط والفأر مع محاولات الآخر لحثه على التفكير. هنا هو يهرب من ما أحاول أن أدفعه أنا للوصول إليه وهو أن المصدر في النهاية لابد ويرجع لله حسب إيمانه لكنه لا يرغب في توضيح هذه الحقيقة لنفسه لأنها تهدم الإيمان. ولهذا كلما زاد إيمان الشخص فإنه يستحيل تغيير قناعاته بواسطة المنطق وحده. وربما يؤثر هذا الحجر الفكري على الفكر بشكل عام ويسبب البلادة والغباء عند تكراره والتعود عليه !

كما نجد مثلا في الفيلم الكوميدي Year One مقطعا لوثنيين يحرقون عذراء لينزل المطر. وهذا عندهم هو عبارة عن common knowledge ، معرفة بديهية ولا ينكرها برأيهم إلا أحمق وحتى الأطفال يعرفون هذا. فهناك آلهة في السماء، ويجب إرضاؤها بتقديم القربان لها، وهذا القربان هو عذراء يتم حرقها بواسطة كبير الكهنة. هذا ما تم تنشئتهم عليه وتلقينهم إياه وأصبحوا مؤمنين به.. فإن لم يفعلوا ذلك لم ينزل المطر. وأي تشكيك أو محاولة لدفعهم للتفكير المنطقي لن تجدي طالما أنهم مؤمنون بذلك ويخافون من منع المطر عنهم، فسيلجأون للمنطق الدائري فكلامهم صحيح لأنه صحيح. الشيء الوحيد الذي يمكن أن يؤثر هو النقض العملي للإيمان، والذي حصل في الفيلم أنه تم رمي الكاهن نفسه في النار ونزل المطر.. أي أن يتم الإقناع بإزالة مسبب الخوف.

ولكن قد تكون المنظومة الإيمانية مصنوعة بذكاء وخبث، بحيث أن في نفس المنظومة يخبرك أنه سيتم نقض المنظومة هذه عمليا وستحدث “فتن” فعليك بالمحافظة على إيمانك وتكذب حتى حواسّك لأنه اختبار وابتلاء.. وهذا ما يفعله المؤمن بقوة.. وهنا يكسب 2 في واحد عندما يتم نقض إيمانه عمليا.. أولا يحافظ على الإيمان بتكذيبه لكل شيء فلا يؤثر عليه شيء.. وثانيا يقويه بتحقق النبوة فيقول إنها من فتن آخر الزمان التي وعدنا بها !!

ومن ناحية أخرى تلعب فكرة “الثواب” دورا هاماً.. فكما يحجر العقاب على الفكر، الثواب يقوم بمقاومة المغريات وحتى التعذيب للحصول على الجائزة الموعودة الأكبر. وأيضا فكرة الرحمة أو التوبة.. وهذه مهمة لإعطاء النفس فرصة.. وحتى لو كنت أكبر فاسق وفاجر فالمهم هو أن تحافظ على إيمانك وتتوب ويؤنبك ضميرك.. وهكذا فلا يجدي معهم لا الحث على التفكير ولا الإغراء المادي ولا النقض العملي.. لا ثغرات في هذا القفل الفكري !

4 تعليقات إلى “الإيمان والتفكير”

  1. V@mPiRE GiRL! يقول:

    السلام عليكم تيتو ، كيف حالك؟
    أرجو أن تكون بخير

    لا أعتقد أن الاعتقاد بوجود كائنات خفية هو أمر مزعج أو الاعتقاد بأن الله يراقبنا و ملائكة يدونون ما نفعل على يميننا أو شمالنا ، بالعكس ، المزعج هو أن يكون الكون بتلك المادية والعشوائية التي تجعل الانسان يفعل ما يريد بدون أي احساس بالذنب أو بالخطأ ، وبدون أي اعتبار للنوايا ، فعلم الله لما في قلوبنا هي نعمة عظيمة ، كوننا نجازى على نوايانا الحسنة ، بينما لا نحاسب على أفكارنا السيئة التي لم تتحول إلى عمل ..
    أما بالنسبة لقضية الشك والتفكير بحرية فأنا أخالفك الرأي ، فليس هناك حجر على تفكيرنا ، بل ان لنا كامل الحرية في التشكيك في كل ما يحيطنا حتى في ديننا ، فكما يقع الأمر لغير المسلمين عندما يشككون في دينهم ثم ينتقلون الى الاسلام ، فمن حق الذي ولد مسلما أن يطرج تساؤلات وجودية وتشكيكية ، حينها سيصل الى نتيجة ترضيه ، و اذا سار في الاتجاه الصحيح ، سيزداد يقينا بصحة ايمانه ..
    المثال الذي ذكرته حول الوثنيين والعذراء مثال جيد ، ويوضح بدقة ثقافة مجتمعاتنا بصفة عامة ، فبمجرد أن الشخص يولد في مجتمع له ثقافة معينة يتبنى ذلك النمط من العيش دون اي اعتبار لعقله الذي خلقه الله له ليفكر به .
    أما بالنسبة لقصة الغباء ، فلا أدري لم تعقيد الأمور فكما قلت أنت بنفسك الأمر بديهي وسهل ، ولا أدري لم نقد كل ما هو منطقي وعادل ، فلم انكار الحرية مغ أنك اخترت بكامل حريتك مثلا اعتقاداتك ؟ و لم التهكم من الثواب والجزاء ؟ ونقد كل ما هو يحعل حياتنا متكاملة لا من الناحبة المنطقية ولا من ناحية الراحة النفسية و لا من ناحية راحة العقل للميل الى كل ما هو صحيح بالنسبة له ، ولا من الناحية العاطفية التي تجعل قلبنا يطمئن له ..
    كأنني أحس بكلامك أنك تنكر هذا الدين لأنه يريحنا ولأن الله خلقنا وخلق التشريع الذي يناسب مخلوفاته ..

  2. divitto يقول:

    أهلا وسهلا. أنا بخير

    في الواقع، الحجر على التفكير شيء من صميم الإيمان، يقول محمد “يأتي الشيطان أحدكم فيقول من خلق كذا ؟ من خلق كذا ؟ حتى يقول من خلق ربك؟! فإذا بلغه فليستعذ بالله ولينته”. وهذا نهي صريح عن التفكير. فالمؤمن يتعامل مع أي فكرة غريبة أو شك على أنه “وسوسة” من إبليس تهدف إلى انتزاع إيمانه منه، وواجبه الديني هو طردها وإبعادها والاستعاذة من إبليس حتى لا تشكل خطر على إيمانه.

    أما الحرية والثواب والعقاب، من قال إنها منطقية أو عادلة ؟
    إذا كان الله خالق كل شيء، وكل شيء تحت سيطرته لا يخرج عن إرادته، فإنه لا توجد حرية. فلو سألتك هل يستطيع الإنسان مخالفة ما كتبه الله له ستقولين لا.. إذن كيف يكون حرا وهو لا يستطيع أن يخالف ما قدر له؟

    وبعيدا عن الأفكار الدينية، العلم والمنطق يقول إن الإنسان ليس حراً، وذلك بسبب “مبدأ السببية”، فالأمور كلها أفعال وردود أفعال، كل شيء له شيء قام بالتسبب به، بما في ذلك اختيارات الإنسان، فهي ليست عشوائية ناتجة من العدم، إنما هي ضمن سلسلة ردات الفعل والتجاوب والتفاعل مع المحيط.

    ما هو تعريف الحر؟ ماذا نعني بأن اختيار الإنسان حر ؟
    المقصود أنه لا يتأثر بأي عامل خارجي.. أو بمعنى آخر: خارج إطار السببية المادية ورد الفعل.

    فمبدأ السببية أي أن لكل شيء مسببا ولكل فعل رد فعل. وبهذا تكون الأمور الداخلة في السببية أمور حتمية الحصول، عبارة أن ردات فعل متتابعة..

    القرار الحر: يجب أن لا يكون خاضعاً لهذا. يجب أن لا يسببه شيء ولا يكون ردة فعل. أي نابع من اللاشيء.

    فهل ينطبق هذا على الإنسان وأفعاله الإرادية ؟ بل هل يوجد هذا أصلا ؟

    لو كان ينطبق لاستحالت أي إمكانية لتوقع أي قرار إرادي. والواقع يقول العكس ! كلما عرفت عن الشخص أكثر وخلفيته وظروفه كلما أصبح بإمكانك توقع قراراته وحصرها في إطار أضيق.. وهذا يثبت على أنها ليست حرة بل داخلة في سلسلة ردود الفعل.

    ولو تأملت وفتحت عينيك لوجدت قرارات الناس وتفكيرهم وعقائدهم تختلف باختلاف ظروفهم وثقافاتهم وأماكن ولادتهم، ولو ثبتنا تلك المتغيرات ستجد أنها ستختلف باختلاف القدرات العقلية والذكاء والقدرات البدنية وكل ما هو موروث.. فهي ليست حرة مطلقا بل هي تستجيب سببيا لكل ما حولها وتتأثر به وتؤثر فيه !

    وهذه تجربة علمية تثبت أنه لا وجود لإرادة حرة:

    وإذا كان عندك رأي آخر، فالمطلوب ببساطة هو الإجابة على السؤال التالي: لماذا تختلف اختيارات الناس؟

  3. LOLA يقول:

    أنا نفسى أعرف انت ليه مصمم تشكك الناس فى دينهم وتفكر بكل جهدك ان معتقداتك توصل للناس عشان يكرهوا دينهم الإسلام لو انت مش مسلم (مسيحى)زى ماإحنا سايبينكم عايشين بينا ومالناش دعوه بالدين اللى بتتبعوه وبنقول الحساب عند الله انتوا اعملوا كده وحاول تتناقش مع الناس اللى مش بيؤمنوا باله بيؤمنوا بالبقر والنار والحاجات دى وعلى فكره اللى يخليك تعمل المجهود ده فى ابعاد الناس عن الإسلام ده لايدل إل على أن الإسلام قوى جدا لدرجة بذل المجهود الفظيع ده وكل ماتكتب مقاله بتزود إيمان المسلمين والدليل على كده الردود اللى بتوصلك .
    أما لو انت ملحد وماعندكش دين يبقى فكر بالعقل اللى انت فالقنا بيه ده لو حد حاول يضرك بسب أو شتيمه أو ضرب أو قتل هتعمل ايه مش هتكرهه ؟؟؟؟!!!! وتحاول تدافع عن نفسك وتقول فى نفسك ياريته يموت وأرتاح منه ده اللى انت بتعمله مع المسلمين ده غير طبعا ربنا اللى انت مش مؤمن بيه اللى (مش مهم رأيك ) صابر عليك وتاركك لغاية آخر عمرك واحنا هنروح بعيد ليه لينا كلنا آخر وهنتقابل فى الآخره ولو انت زى ما انت هنشوف مين الى كلامه صح ورانا إيه كده كده إنت عايش ورزقك بيوصلك حتى لو كافر وإحنا عايشين ورزقنا بيوصلنا حتى لو مسلمين ( أقصد أغبياء فى رأيك ) وشكرا لك على تقويتك لإيماننا بكلامك

  4. AM.SA.CHANNEL يقول:

    بالعكس لو كان الرسول ما يحث على التفكير و العلم، مابيقول إطلبوا العلم و لو في الصين و على أيام الرسول لم تفتح الصين بعد، يعني أكيد عندهم إعتقادات و ثنيه و ممكن الصينيين يشككونهم و جان قالهم إطلبوا العلم في البلاد الإسلامية فقط لكن قال و لو في الصين و هالشي يخلينا نفكر أكثر و أكثر و يزيد علمنا، و الشي الثاني عندنا آية في القرآن إقرأ، حتى الله حث على القراءة، وبنخلي كلام الرسول و كلام الله على جنب ..

    في العصور الوسطى كيف كانت أوروبا و كيف كان الإسلام، اللي يبغي يتعلم يسير الأندلس و كانت تزدهر بالعلم و المفكرين، كان المسلمين شطااار قبل يتعلمون و يفكروون و يخدموون و تعرف منهم لن أذكر أساميهم .. !! و اليوم اصبح العكس .. أنته تخلط في بعض الأمور ساعات الواحد يشوف دولته تمشي على خطى الإسلام لكن توقف كل مفكر فلا تخلط الدين في الدولة أو العادات ..

    المهم حبيت أوضح نقطة و هي الأمور غير المرئية .. و غير الحسية.. أنا مره ياني هالسؤال و لقيتله الجواب من كم من يوم و كنت أقرا في مدونة من المدونات عن حياة هلن كلر ” و كان الناس يسألوونها كيف عايشه و هي عمية و شقى تحس باللي حولينها و كيف تميز بين الصبح و المساء ”

    قالت إنها تحس بأشعة الشمس بالرغم من أنها غير مرئية، تحس بالليل بسكونه بالرغم من أنه غير مرئي”

    و نخلي هيلن كيلر ..

    أنته هل شفت الهواء و الريح كيف شكله؟ أنا ما أعرف كيف شكلها لكن أحس في الريح و حتى لو كنت في غرفتي أحس بالريح ..

    في حشرات غير مرئيه موجوده على فراشنا و هذا أثبته العلم، و في سنة عن الرسول إنه قبل لا تنام خبط فراشك 3 مرات و قول بسم الله ..

    و نحنا نسوي هالشي عشان سنة الرسول، و أنا ما كنت أعتقد إنه في حكمة ورا هالشي إلا بعد ما عرفت إنه في حشرات غير مرئيه على فراشنا و العلماء جربوا إنهم يعرضون الفرش للشمس لكن بدون فايدة ما خازت و نفس الشي مع الماي،و آخر شي جربوا إنهم يخبطون الفراش و هالحشرات زالت..

    و حتى في الجسم أشياء غير مرئية مثل التفكير .. هل هو مرئي بس هو حسي ..

    هذا اللي عندي .. و شكرا أخويه على الموضوع ..

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.