ويسألونك عن الروح

الروح دينيا ليس لها تعريف أو معنى لأن الآية تقول أنها من أمر الله. وهذه مشكلة.. فنحن الآن أمام شيء هو ليس بشيء إذ أنه غير موجود كشيء ملموس ولا كتعريف أو حتى كفكرة ! ومع ذلك يقع الدين في تخبط حيث يتكلم عن الروح في مواقف أخرى ويذكرها ويقول إنها تُنفخ وتصعد وتنزل وتتزاور وتتعذب وتتنعم .. إلخ. كيف يقول هذا وهو يتكلم عن شيء لا يعرفه أحد وليس له تعريف ؟ إنه هنا كمن يتكلم عن الفرنكوش ويشرح عمل الفرنشكوش ويمدح الفرنكوش ولا أحد يدري ما هو، وعندما سئل عن الفرنكوش قال إنما علمه عند الكبشتكوش !

وخارج الدين هناك معاني للروح، فمثلاً مصطلح الروح هو نتيجة أساطير القدماء حيث إنها ترمز للسر الغامض الذي يفرق بين الكائن الحي والجماد، أي أن هناك فرق جوهري.. شيء إلهي تم نفخه في التراب فأصبح حيا يتحرك !. ولكن هذه الأسطورة في ورطة بعد تقدم العلم وخاصة اكتشاف الفيروسات التي لها صفات الأحياء والجمادات معاً فألغت فكرة وجود فاصل أو جدار واضح بين الحي والميت. نعم علميا لا يمكن تعريف الشيء الحي وتفريقه عن الميت بشكل جوهري، إنما هناك صفات معينة متفق عليها علميا لو توفرت في كائن ما سمي حياً، مثل النمو والتغذية والتكاثر.

إذن فالكائن الحي هو نظام بيولوجي معقد وجميع مكوناته في الأصل مادية وتتفاعل مع بعضها ومع محيطها ويتفاعل معها، والموت هو انهيار هذا النظام وتوقف عمله ثم عودته لمكوناته الأبسط بالتحلل.

وأحيانا قد تستخدم كتعبير عن الوعي أو البعد (الخالد) في الإنسان كما يصفه البعض.. أي أن الإنسان مكون من جزئين، جزء مادي وهو اللحم والعظم والتركيب البيولوجي بشكل عام، والذي يوجد بولادة الإنسان ويتحلل بعد وفاته، وجزء روحي خالد غير مادي ولا يتعرض للوفاة وهو الوعي والأفكار والتي تمثل روح الإنسان الخالدة.

لكن أين كان هذا البعد الغير مادي قبل ولادتك ماديا ووجودك فيزيائيا ؟ لماذا ارتبط إدراكك ووعيك بنضوج جسمك المادي وعقلك ؟ ما تفسير تأثير مشروب مادي كالخمر مثلا عن الإدراك ووظائف التفكير ؟ بل لماذا يتغير إدراكك ومفهومك واعتقادك بتغير الظروف والزمن ؟ هل مررت من قبل بحالات من الإغماء أو النوم بدون أي أحلام بحيث تنام وفجأة تجد نفسك في اليوم التالي ؟ لماذا توقف إدراكك وأين اخفى البعد الروحي الخالد ؟

إن هذا يدل دلالة واضحة على أن الوعي والإدراك ليس إلا إفرازا بيولوجيا مرتبط بالمادة ويتأثر بها ويؤثر فيها ولا يخرج عنها. وطالما أنه لم يكن موجوداً قبل ولادتك، ولم يكن موجوداً في بعض الحالات كالنوم والإغماء والغيبوبة، فلماذا قد يكون موجوداً عند تهشم رأسك أو موتك وتعطل وظائف دماغك الحيوية كلياً ؟!

وعلى فكرة تلعب الذاكرة دور أساسي في عملية الوعي كما نعرفها.. لذلك فإن أردت دليلاً عمليا ملموسا يدل على عدم وجود روح أو بعد غير مادي للإنسان فانظر للذاكرة. بدون الذاكرة لا يكون هناك وعي ولا هوية وهذا يعني لا توجد روح أو بعد خالد بدون ذاكرة. تكلمت عن الذاكرة في هذه التدوينة.

ومعلوم أن الذاكرة مرتبطة بالدماغ ويمكن لشخص أن يفقد ذكرياته بسهولة من ضربة على رأسه أو صدمة عميقة. كما أنها تتغير وتتشكل بفعل المؤثرات المادية على الدماغ فهي مادية.. الذاكرة مثل البينات التي تحفظها على هاردسك جهاز الكمبيوتر، يمكن حذفها وإتلافها. وطبعا لو تلف القرص أو تهشم فسوف تتلف هذه البيانات.. إذن عندما تموت تفقد الذاكرة وبالضرورة فإنك تفقد الوعي، أي أنه ليس هناك بعد خالد للوعي، فعندما تموت.. تموت فعلاً.

من الجدير بالذكر أيضاً، أن العالم كريغ فنتر يعمل على مشروع لخلق أنواع جديدة من الحياة، عبر تغيير الشفرات الوراثية واستبدال سلاسل الأحماض الأمينية (والتي تعطي الأوامر للخلية، وهي برنامجها المتحكم فيها) بسلاسل أخرى مصنوعة كيميائياً حسب المواصفات التي يريد. وهذا إثبات عملي واضح على عدم وجود ما يسمى بالروح فالكائن الحي شبيه بالبرنامج. وها هو يستعرض مشروعه لخلق حياة جديدة في المختبر..

رد واحد إلى “ويسألونك عن الروح”

  1. totta يقول:

    كم سعدت بقراءة هذه المقال الغني بالعلم..

    وكم انا شغوفة بقراءة كل جديدك..

    لاعدمنا عقلك وعلمك ..

اترك رد

Fill in your details below or click an icon to log in:

WordPress.com Logo

You are commenting using your WordPress.com account. Log Out / تغيير )

Twitter picture

You are commenting using your Twitter account. Log Out / تغيير )

Facebook photo

You are commenting using your Facebook account. Log Out / تغيير )

Connecting to %s


Follow

Get every new post delivered to your Inbox.